منتديات الموجة
  

     
   
 

منتديات الموجة القبطية
 المقالات المنشورة تعبر عن أراء أصحابها وليس بالضرورة رأى الموجة القبطية

من النيروز الى أبناء العم سام

يوم النروز كما ينطقوها أهالينا فى صعيد مصر وهو بداية العام القبطى والذى نحتفل بقدومه فى فجر (عيد النيروز) الموافق أول توت وهو أول الشهور القبطية، ودائماً تكون هذه الذكرى الجميلة فى الأسبوع الثانى من سبتمبر كل عام وبالتحديد فى اليوم الحادى عشر أو الثانى عشر حسب السنه الميلادية فمثلا هذه السنة يكون موافقا الثانى عشر من سبتمبر لأنها سنة كبيسة،
 وإذا عُدنا للزمان الجميل بالرجوع خمسون عاما للخلف وبالتحديد حيث تواجدت عائلتنا فى وسط صعيد مصر، كانت هذه الأيام تُعتبر آخر فرصة لتلاقى أبناء الأسرة الكبيرة والأصدقاء قبل أن تفتح المدارس أبوابها وتفرق شمل الأحباء وأولاد العم والخال والخاله من عائلتنا الكبيرة


 الفنان شفيق بطرس

13 سبتمبر 2011

 وكان أسبوع النروز نقضيه فى منزل جدتى أو بلهجتنا الصعيدية ( ستى) وكانت تنتهز هذه الفرصة لعمل الكشك والشعرية بكميات كبيرة لكل العائلة ولذا كنا نساعدها نحن الأحفاد فى هذا المشروع الغذائى السنوى لكل العائلة، وكنا قد تعودنا ان نستيقظ قبل الفجر يوم الناروز لنخرج للحقول والمزارع والجناين فى قريتنا الوادعة بين أحضان الغيطان ونذهب الى جنينة الفواكه التى يمتلكها أحد أفراد العائلة حيث هناك مندرة ضخمة مسقوفة بالجريد وأمامها تحت تكعيبة العنب مصطبة كبيرة

وكان ينتظرنا فى كل عام فى نفس التوقيت مُعلم الكنيسة (المعلم ميخائيل) وكان ضريراً ودائم المرح والأبتسامة والضحك وهو مرتل ومتخصص فى تحفيظ الصغار والكبار مردات القداس (قبطى وعربى) وكان يقص علينا أجمل وأروع قصص العهد القديم والجديد وأجزاء من تاريخ الأضطهادات التى كانت تتعرض لها كنيستنا القبطية عبر العصور من أضطهاد الرومان الى عصر ما بعد الغزو الإسلامى لبلادنا المصرية وكم عرفنا وحفظنا منه أروع قصص البطولات مثل قصص القديس والشهيد مارمرقص الرسول والشهيد العظيم مارجرجس والأمير الضابط الشهيد مارمينا والقديس الطفل الشجاع الشهيد أبانوب والقديس القائد العسكرى الجَسورالشهيد (مارقوريوس) أبوسيفين وغيرهم من شهداء الأقباط العظماء وكذلك قصة نقل جبل المقطم وتمسك بابا الأقباط (الأنبا أبرام بن زرعة) وقتها بالأيمان ونصيحة السيدة العذراء له بدعوة (القديس سمعان الخراز) لكى يقود الأقباط فى الصلوات أمام الجبل حتى تحرك جبل الجيوشى وشاهد الجميع بما فيهم خليفة المسلمين أشعة شمس العصارى تحت الجبل الذى ارتفع الى أعلى وهبط عدة مرات وتحرك خطوات عديدة مع كل صيحة (كيريالايسون) من جميع الأقباط المصليين وتضرع الخليفة الى البابا بأمر الجبل بالتوقف، وما أن ينهى (المعلم ميخائيل) قصص شهداء المسيحية وينتهى بقصة يوحنا المعمدان الذى سوف نرى رأسه فى قرص الشمس بعد دقائق معدودات من بزوغ الفجر، تمر الدقائق سريعة ويبدأ الأفق فى الإحمرار وتبدأ الطاقية الساحرة المشتعلة للشمس تظهر رويداً رويداً ويبدأ القرص الذهبى فى التسلل من خلف الأفُق ليكتمل الأستدارة فتدوى صيحات الفرح والتهليل من الجميع والكل يؤكد أنه رأى رأس يوحنا المعمدان على طبق من الذهب داخل قرص الشمس ويبدأ الأطفال الأكبر سناً ترديد الألحان القبطية خلف المعلم ميخائيل ،

وبعد أن نقضى فترة الفجر الرائعة ونتبارك من نسمات النيروز وأول أيام السنة القبطية الجديدة وتوزع علينا جدتى البلح الأحمر الذى يمثل دماء الشهداء والذى هو من أجود البلح الذى يتم قطعه بالظبايط من النخيل وتبدأ (ستى) فى قصتها لنا أن هذا النخيل قد زرعه والدها ولكنه لم يأكل منه لا هو ولا من حوله فى جيله والذى يأكل منه هو أولاده و الأحفاد وهذا يعلمنا أن نصنع الخير للآخرين حتى ولو علمنا أننا لن نجنى من ثماره ولكننا نزرع ليحصد غيرنا فى المستقبل ، كذلك تماماً هو حال النخله فالذى يزرعها يعلم جيدا انه يزرعها ليجنى ثمارها الآخرون والنخلة أيضاً دائمة الأستقامة ودائمة العطاء حتى للذين يرجمونها بالحجارة فترد الرجم لهم ببلحها الحلو المذاق ليشبعهم ونتعلم بالرد بالخير للذين يقصدون بنا شراً حتى الذين يرمونا بالحجارة، كذلك النخلة عَطّائة فهى تُعطى سيقانها الطويلة المستقيمة والقوية جدا للأسقف والسعف لعمل الأساس والأقفاص وعشش الفراخ وتعطى اللوف لأستعمال الفلاحين فى كافة مستلزماتهم وتعطى الظلال للأنسان و الماشية هذا بخلاف إعطائها ثمر البلح وهو حلو المذاق لنكون نحن نتشبه بحلاوة الطباع وهو أحمر بلون دم الشهداء الأولين وقلبه أبيض برمز النقاء والطهارة والنواة صلبة قوية لنتعلم الصلابة والقوة فى الحياة والإيمان الذى لا يتزعزع والنخلة تنحنى للريح ولكنها لا تنكسر وتعاود الأستقامة بعد مرور المشاكل والعواصف، والنخلة صَبورة تعيش بلا ماء وفى عطش لكنها تبحث عن العطاء بالرغم من عطشها حتى لو كانت مزروعة فى الصحراء الجافة القاحلة ،

 ويسأل المعلم ميخائيل : مَن مِنا قد حفظ شعر العام الماضى؟
وكان يرد كبار الأطفال وكان بيت الشِعر والذى حفظته منه ومنهم هو
(( كُن كالنخيل عن الأحقاد مُرتفعاً *** تُرمَى بصخرٍ فتلقى بأحسن الثمر ))
 ولم تسعدنى أيامى أن أرددها أمامه لوفاته، ولكننى أرددها الآن لأحفادى فى بلاد لا تعرف النخيل ولكنها تعرف النيروز فمن الأجداد تعلمنا وننقل ما تعلمناه لأبنائنا وأحفادنا أبناء العم سام .

 الفنان شفيق بطرس


 

Visitor Comments

 

On Line

 

 

 

 

 

 

 
 
   All rights reserved Coptic Wave Web www.copticwave.com
Copyrights@ Coptic Wave 2005-2012 Coptic Orthodox Church Egypt